ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

24

حجة الله البالغة

( النَّوَافِل ) لما كَانَ من الرَّحْمَة المرعية فِي الشَّرَائِع - أَن يبين لَهُم مَا لَا بُد مِنْهُ ، وَمَا يحصل بِهِ فَائِدَة الطَّاعَة كَامِلَة ، ليَأْخُذ كل إِنْسَان حَظه ، ويتمسك المشغول والمقبل على الارتفاقات بِمَا لَا بُد مِنْهُ ، وَيُؤَدِّي الفارغ الْمقبل على تَهْذِيب نَفسه وَإِصْلَاح آخرته الْكَامِل - تَوَجَّهت الْعِنَايَة التشريعية إِلَى بَيَان صلوَات يتنفلون بهَا ، وتوقيتها بِأَسْبَاب وأوقات تلِيق بهَا ، وَأَن يحث عَلَيْهَا ، ويرغب فِيهَا ، ويفصح عَن فوائدها ، وَإِلَى ترغيبهم فِي الصَّلَاة النَّافِلَة غير المؤقتة إِجْمَالا إِلَّا عِنْد مَانع كالأوقات المنهية . فَمِنْهَا رواتب الْفَرَائِض ، وَالْأَصْل فِيهَا أَن الأشغال الدُّنْيَوِيَّة لما كَانَت منسية ذكر الله صادة عَن تدبر الْأَذْكَار وَتَحْصِيل ثَمَرَة الطَّاعَات فَإِنَّهَا تورث إخلادا إِلَى الْهَيْئَة البهيمية وقسوة ودهشا للملكية - وَجب أَن يشرع لَهُم مصقلة يستعملونها قبل الْفَرَائِض ؛ ليَكُون الدُّخُول فِيهَا على حِين صفاء الْقلب وَجمع الهمة ، وَكَثِيرًا مَا لَا يُصَلِّي الْإِنْسَان بِحَيْثُ يَسْتَوْفِي فَائِدَة الصَّلَاة ، وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ فِي قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كم من مصل لَيْسَ لَهُ من صلَاته إِلَّا نصفهَا ثلثهَا ربعهَا " فَوَجَبَ أَن يسن بعْدهَا صَلَاة تَكْمِلَة للمقصود وآكدها عشر رَكْعَات ، أَو اثْنَتَا عشرَة رَكْعَة متوزعة على الْأَوْقَات وَذَلِكَ أَنه أَرَادَ أَن يزِيد بِعَدَد الرَّكْعَات الْأَصْلِيَّة ، وَهِي إِحْدَى عشرَة لَكِنَّهَا أشفاع ، فَاخْتَارَ أحد العددين . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بنى لَهُ بَيت فِي الْجنَّة " أَقُول هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه مكن من نَفسه لحظ عَظِيم من الرَّحْمَة قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " أَقُول : إِنَّمَا كَانَتَا خيرا مِنْهَا لِأَن الدُّنْيَا فانية ، وَنَعِيمهَا لَا يَخْلُو عَن كدر النصب والتعب ، وثوابها بَاقٍ غير كدر وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من صلى الْفجْر فِي جمَاعَة ، ثمَّ قعد يذكر الله حَتَّى تطلع الشَّمْس ، ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ كَانَت لَهُ كَأَجر حجَّة وَعمرَة " أَقُول : هَذَا هُوَ الِاعْتِكَاف الَّذِي سنه رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل يَوْم ، وَقد مر فَوَائِد الِاعْتِكَاف